سيد محمد طنطاوي
142
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
به ، من شأنه أن يدخل الشك في القلوب ويوقع ضعاف الإيمان في حيرة واضطراب ، خاصة وأن العرب - في مجموعهم - قوم أميون ومنهم من كان يعتقد أن اليهود أعرف منهم بمسائل العقيدة والدين . فيظن أنهم ما ارتدوا عن الإسلام إلا بعد اطلاعهم على نقص في تعاليمه . والمتتبع لمراحل التاريخ قديما وحديثا يرى أن الدهاة في السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب في صفوف أعدائه . قال الأستاذ الشيخ محمد عبده - رحمه اللَّه : « هذا النوع الذي تحكيه الآيات من صد اليهود عن الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية في البشر ، وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه . وقد فقه هذا ، هرقل ، ملك الروم ، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن قال له : « هل يرتد أحد من أتباع محمد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فقال أبو سفيان : لا . وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا : لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه ، واطلعوا على بواطنه وخوافيه ، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته ، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب » « 1 » . هذا ، وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات متعددة كلها تدور حول المعنى الذي قررناه . ومن هذه الروايات ما أخرجه ابن جرير عن قتادة قال في قوله - تعالى - * ( وقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا ) * . . ألخ قال بعض أهل الكتاب لبعض : « أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار ، واكفروا آخره فإنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم ما تكرهونه في دينهم ، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم » . وعن السدى : كان - هؤلاء - أحبار قرى عربية ، اثنى عشر حبرا ، فقالوا لبعضهم : ادخلوا في دين محمد أول النهار ، وقولوا : نشهد أن محمدا حق صادق . فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا : إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم ، فحدثونا أن محمدا كاذب ، وأنكم لستم على شيء ، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم ، لعلهم يشكون ، يقولون : هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم ؟ فأخبر اللَّه - عز وجل - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بذلك » « 2 » . والمعنى : * ( وقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) * أي : فيما بينهم ليلبسوا على الضعفاء أمر دينهم * ( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهارِ ) * أي قال بعضهم لبعض : نافقوا وأظهروا التصديق بالإسلام وبنبيه - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - وبما أنزل عليه وعلى أصحابه من قرآن * ( وَجْه النَّهارِ ) * أي في أول النهار .
--> ( 1 ) تفسير المنار ج 3 ص 323 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 311 .